رعم أنه قد بدى واضحا منذ بداية إعلان بن لادن حربه على أمريكا أنها إقتصادية صرفة، حيث أن ضرب أمريكا و نسف أبراج التجارة العالمية و البنتاجون لم يكن عمل عسكري بقدر ما هو إقتصادي حيث خسرت أميريكا الكثير بسببب تلك الهجمات من الناحية الإقتصادية، و إستنزافه أمريكا للدخول في حروب لا تنتهي مع العالم الإسلامي هو إستنزاف إقتصادي أخر، و نرى من خلال عملياته العسكرية أنها غالبا ما تكون موجهة ضد مناطق حساسة في الإقتصاد الأمريكي، فليس ثمة من يستطيع أن يضاهي أمريكا عسكريا و خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن إقتصادها كان هدفا لتنظيمات إستخباراتية عالمية مثل القاعدة، و في إحدى مذكراته يقول بن لادن: إن أمريكا قوة عسكرية هائلة و ذو إقتصاد قوي و لكنه مبني على أسس يمكن إستهدافها حيث أنها سوف تسقط حتما لو إنهار هيكلها الإقتصادي، و الرجل طبعا يعلم ما يقول، فتاريخ بن لادن لا يشير إلى خبرة عسكرية بقدر ما يشير إلى دهاء إقتصادي، فالرجل قد درس الإقتصاد و لم يدرس السياسة أو فن الحرب، و حربه مع السوفييت هي الأخرى كان لها الطابع الإقتصدي ذاته.
نقول رغم أن حربه هذه قد بدت إقتصادية المعالم منذ البداية، إلا أنه فاجأنا قبل عدة أسابيع برسالته الأخيرة و التي يطرح من خلالها حلا للأزمة المالية العالمية، ألا و هو مقاطعة الدولار و التحرر إقتصاديا من أمريكا.
لقد كان بن لادن يعلم و لا شك منذ البداية أن الإضرار بإقتصاد أمريكا كان يعني الإضرار بالإقتصاد العالمي المتمثل بالأزمة المالية العالمية، و قد أشار إلى ذلك في إحدى خطاباته، و السبب في رأيه هو أن العالم مستعبد إقتصاديا من قبل أمريكا، فمتى تحرر منها و إستقل بإقتصاده إنتهت الأزمة و بقيت أمريكا وحدها في الخانة، و الطرح الذي يطرحه بن لادن لمعالجة الأزمة المالية يلاقي بعض الترحيب من قبل الأوساط "المتطرفة" في أوروبا، و رغم أن هذا الطرح لن يكون من السهل تطبيقه أو حتى التفكير فيه في الأوسط الرسمية، إلا أنه مقدمة إنذار يقول فيه بن لادن للعالم أنه قد تم إنذاركم فلإقتصاد الأمريكي على وشك الإنهيار.
إن النظر إلى حرب بن لادن مع الولايات المتحدة من منظور عسكري يعطي الإنطباع بأنها حرب فاشلة و محكوم عليها بالفشل، لكن فهم حقيقة الصراع يجعلنا نعتقد بأنها حرب إستنزافية، أو كما يسميها الخبراء الأمريكان "حروب الجيل الرابع" أو الحرب اللامتوازية، فأمريكا أثبتت خلال سنواتها الأخيرة بأنها تفقه الكثير في الحروب العالية التوتر، فهي إذا دخلت حربا عالمية ثالثة خرجت منها منتصرة، و لكن حربها مع بن لادن شيئ أخر، و رغم أنه لديها الكثير من المعدات و الأسلحة، إلا أنه كما يقول خبراء القاعدة في السي اي إي أن عندها كل ما لا يلزم للحرب مع بن لادن.
هناك محور أخر عمل عليه بن لادن في حربه مع الولايات المتحدة، فقد جعل أمريكا تستبدل حربها على المنطقة من نظام الحرب بالوكالة إلى أن تحارب بنفسها مما زاد من إحتقان الجماهير ضدها و هو شيئ في صالح الحركة لأنه يجلب لها المزيد من المد البشري المتوقع لعدة أسباب منها الغضب من التدخل الأمريكي السافر و المباشر في العالم الإسلامي على كم الغضب السابق من دعم الولايات المتحدة للكيان الصهيوني، فقد ذاب الثلج و بان المرج بعد حربها على العراق و أفغانستان، أما الهدف الأخر فهو العمل على إظهار ضعف و كذب القوة المركزية بأنها قوة لا تقهر لسبب بسيط و هو بعدها عن الأطراف مما يجعل نشاطها العسكري في المنطقة أمر صعب إذا لم يكن يعتمد على الدعم القادم من الدول العميلة في المنطقة و التي سوف ينكشف للشعوب أيظا عمالتها لأمريكا.
الحقيقة هي أنه أكثر ما كان يمكن أن يحزن بن لادن و تنظيه هو أن تعدل أمريكا عن إعلان حربها المزعومة و دخولها إلى الساحة الإسلامية بنفسها، فقد كان تكتيك الحركة يعتمد أساسا على تخديم قوة أمريكا ضدها، و قد أقدم جورج بوش على قرار أحمق عندما لم يتمهل في أمره فأعلن الحرب و إستنفر الجماهير دون أن يفكر للحظة أنه مستنزف، و في إحدى بحوثاته يقول باحث أمريكي بأنه لا داعي بأن يقوم أعداء أمريكا بالترويج للإستنزاف لأن بوش يقوم بذلك بنفسه و بشكل جيد.
يبدوا لي أنه قد إنتهت أجيال الحروب الثلاثة، و نحن على باب الجيل الرابع من الحروب، و على كل من يريد إتقانها أن يتخلص من عقلية رجل البقر و إلى الأبد، و بإنتظار تفاعلكم.






مستجدات




