يعود الفضل إلى الزميل berbere لأنه نبهني - ربما دون قصد - إلى هذه المقالة عندما كتب هذا التعليق الموحي في إحدى المشاركات حول رواية مايا لجوستايت غاردر:
يظهر كذلك أن له ألمام كبير بالعديد من الحضارات الأنسانية
نعم. لأنه لايمكن أن يتعاطف مع الشعوب الأخرى وينتصر لقضاياها العادلة، من لم يكن له إلمام بحضاراتها. إن الجهل هو المنبع الأول للحقد او على الأقل اللامبالاة.
يتميز الضمير الأوروبي بنفاق مثير للإشمئزاز، ويتجلى ذلك في وسائل الإعلام بشكل صارخ: متابعة واهتمام لاختطاف صحافي غربي، وسكوت مطبق تجاه الشعب المختطف والرهينة منذ أكثر من خمسين عاما. دموع تذرف لمقتل أطفال إسرائليين ودعوة لضبط النفس عند اغتيال الشيخ أحمد ياسين المقعد وتمزيق أشلائه بصاروخ من النوع الموجه للدروع!
لكن يبدو أن "جوستان غاردر" الذي كتب قصة الفلسفة بل وكتبها للأطفال، فجمع بذلك بين القدرة على الإنصات لحكمة عباقرة الإنسانية الكبار وحكمة الصغار، لم يستطع البقاء لامباليا إزاء هذا الظلم الصارخ وهذه الغطرسة والعربدة الإسرائيلية اليومية. ويبدو أن إسرائيل قد سقت االلبنانيين ومعهم العرب والعالم، عبر وسائل الإعلام، سقتهم كأس المرارة والإذلال جرعات مركزة في ذلك الصيف من العام الماضي، في الحرب ضد لبنان، مما جعل غاردنر يخرج عن رباطة الجأش المميزة لسكان المناطق السكندنافية الباردة ويخط هذا المقال الناري الي يفيض سخطا وإدانة لكيان لم تكن تنقص أوهامه وأساطيره سوى قوة السلاح الفتاك - وقد امتلكه الآن - ليضع نفسه فوق الإنسانية وخارجها ، بعد أن ظل هذا السلاح قرونا طويلا في يد إلاهه يهوه فقط..!
كتب غاردر هذه المقالة في صحيفة Aftenposten النرويجية، وهي كما ستقرؤون صرخة غضب لضمير إنساني لم يعد يطيق المزيد، إدانة دون مواربة أو إلتفاف للتواطؤ والصمت الغربي وفضح لنظام ميز عنصري تزيد من بشاعته أكذوبة شعب الله المختار.
تشبه المقالة بيانا أو إعلانا سياسيا، لكن تميزها يكمن في أن غاردنر صاغها بلغة تحاكي أسلوب النبوءات التوراتية، فجاء الشكل منسجما مع المضمون ومؤازرا له.
في هذه المقالة، أطلق غاردر العنان للإنسان بداخله، ولم يشأ أن يقايض إنسانيته بالإمتثالية المسيطرة على أكثر المثقفين الغربيين، وكما حدث لروجي غارودي، فقد أثارت المقالة عاصفة أو قل زوبعة من ردود الفعل لم يتوقعها غاردر نفسه، وبسبب هيمنة اللوبي اليهودي في الأوساط الإعلامية والأكاديمية الغربية، فقد جاءت أغلب الردود منتقدة ومستنكرة، إلى درجة أن غاردر صار يخشى على سلامته الشخصية. كما صرح لجريدة "آفتن بوسطن". ولكن أغرب الردود وأكثرها إثارة للسخرية هو الذي نشرته مجلة هاآريتز
أقدم لكم أولا المقالة التي نشرت ترجمتها جريدة الأحداث المغربية في عددها ليوم الاحد 27 غشت 2006
وتليها، في مشاركة مقبلة، عينة من ردود الفعل التي أثارتها المقالة.
لا تراجع:
لقد آن الأوان ان نتعلّم الدرس جيدا. اننا لا نعترف بدولة إسرائيل كما لم نعترف بنظام الأبارتايد العنصري في جنوب افريقيا، وكما لم نعترف بنظام طالبان. وكما كان كثير منّا لم يكونوا قادرين على الاعتراف بعراق صدام حسين، أو بالابادة الاثنية التي مارسها الصرب. الآن لا بدّ ان نعتاد على التفكير بأنّ إسرائيل بشكلها الحالي قد صارت تاريخاً ماضياً. ونحن لا نؤمن بمفهوم شعب الله المختار. نحن نضحك على بكائيّات وغرائب هذا الشعب على أفعاله السيئة. ان تصرف شعب على اساس أنه شعب الله المختار ليس فقط غباءً وغطرسةً’ بل هو ايضاً جريمة ضدّ الإنسانيّة نسمّيها «عنصريّة».
حدود للتسامح:
هناك حدود لصبرنا، وهناك حدود لتسامحنا. نحن لا نؤمن بالوعد الإلهي كسبب للاحتلال والعزل (الأبارتايد) . لقد تركنا العصور الوسطى خلفنا. نحن نسخر من أولئك الذين ما زالوا يؤمنون ان إله النبات والحيوان والمجرّة قد اصطفى لنفسه شعباً معيناً يفضلهم على غيرهم ويعطيهم ألواحا من الصخر تثير الضحك وأشجارا تلتهب ورخصة لممارسة القتل. إننا نسمي قتلة الأطفال بـ « قتلة الأطفال» وسوف لا نرضى ابدا ان تُمارس هذه الأفعال باسم التفويض الالهي أو التاريخي الذي يمكن ان يعذر أفعالهم المشينة. إننا نقول لهم فقط: العار على كل نظام عنصري، العار على الإبادة الإثنية. العار على كل الأعمال الإرهابية ضدّ المدنيين سواءً اقامت بها حماس أو حزب الله أو دولة إسرائيل!
فن حرب بلا ضمير:
إننا نعترف ونستوعب مسؤولية أوروبا عن قدر اليهود، عن مضايقتهم المشينة، عن مطاردتهم في كل مكان وعن الهولوكوست. كان ثمة ضرورة أخلاقية وتاريخية أن يحصل اليهود على موطن لهم. لكنّ دولة إسرائيل بفنّها في الحرب التي تشنّها بلا ضمير و بسلاحها المقرف قامت بنفسها بذبح شرعيتها. فقد خرقت دولة إسرائيل بشكل منظّم حقّ الشعوب والاتفاقات الدولية وعددا لا يحصى من قرارات الامم المتحدة ولذا لا يمكن ان تنتظر حماية من نفس الامم المتحدة. ذلك أنها قامت بقصف اعتراف العالم بها بالقنابل. ولكن لا تخف! فزمن الضيق سيزول قريباً. ودولة إسرائيل قد رأت سوفيتوها (سوفيتو منطقة في دولة جنوب إفريقيا بناها نظام الأبارتايد العنصري ليجمع فيها السكان السود الذين يعيشون في المناطق التي قررت الدولة أن يعيش فيها البيض فقط. ويعني التعبير أنّ نهاية إسرائيل قريبة - المترجم) إننا الآن في مرحلة انعطاف وسوف لا نتراجع. لقد قامت دولة إسرائيل باغتصاب اعتراف العالم بها وسوف لا تستقرّ قبل أن تتخلى عن سلاحها.
بلا دفاع، بلا جلد:
لتهدم الروح والكلمة جدار إسرائيل العنصري. ودولة إسرائيل لا وجود لها. إنها بلا دفاع الآن، وبلا جلد يحميها. لذلك فلينظر العالم بالرحمة للسكان المدنيين. لأنّ نبوءتنا الشاجبة لا تشمل الأفراد المدنيين. إننا نريد الخير للناس في إسرائيل، كلّ الخير، لكننا سنحتفظ بحقنا بعدم أكل برتقال حيفا مادام طعمه مراً ومسموماً. فقد كنا قادرين على العيش بضع سنوات بدون أعناب الأبارتايد الزرقاء.
يحتفلون بنصرهم:
نحن لا نعتقد ان إسرائيل تحزن على اربعين طفلا لبنانيا قتلتهم أكثر من حزنها خلال ثلاثة آلاف عام مضت على اربعين عاماً من تاريخها قضتها في الصحراء. إننا نشاهد ان الكثير من الإسرائيليين يحتفلون بانتصارات كهذه كما كانوا يبتهجون على نكبات الرب كعقاب مناسب للشعب المصري. (ففي هذه القصة يسلك الرب اله إسرائيل كسادي لا يشبع من التعذيب.) اننا نتساءل فيما إذا كان الكثير من الإسرائيليين يؤمنون بأن حياة إسرائيلي واحد أكثر قيمة من اربعين فلسطينيا او لبنانيا. والبنات الإسرائيليات صغيرات السن أكثر حلاوة عندما يتشفين سعادة بالموت والعذاب الذي يعاني منه الآخرون في الجانب الآخر من الجبهة.
الردّ على الثأر:
نحن لا نعترف بخطاب دولة إسرائيل. ولا نعترف بحلزون الرد لأخذ الثأر (العين بالعين والسن بالسنّ). نحن لا نعترف بمبدإ عشرة عيون أو الف عين عربية مقابل عين إسرائيليّة واحدة. نحن لا نعترف بالعقاب الجماعي أو «بحمية تخفيف الوزن» السكاني كسلاح سياسي. لقد مرّ الفا عام على الحبر اليهودي الذي انتقد العقيدة العتيقة للعين بالعين والسن بالسن . فقد قال: «كل ما تريدون ان يفعل الناس بكم افعلوا هكذا انتم ايضا بهم». نحن لا نعترف بدولة تؤسس على مبادىء غير انسانيّة أو كما قال ألبرت سفـيتزر: «الانسانية لا تعني التضحية بإنسان من أجل قضيّة».
الرحمة والعفو:
نحن لا نعترف بمملكة داود القديمة كمقياس لخريطة الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين. الحبر اليهودي ادّعى قبل ألفي سنة ان مملكة الله ليست إعادة بناء بالحرب لمملكة داود، ولكن مملكة الله فينا وبيننا. مملكة الله رحمة وغفران. ومضى الفا عام منذ ان قام الحبر اليهودي بجعل خطاب الحرب القديم اعزل وانسانياً. مع انّه في زمنه بدأ الإرهابيون الصهيونيّون الأول بممارساتهم.
إسرائيل لا تسمع:
لقد درسنا منهاج الانسانية في الفي عام، لكنّ إسرائيل لا تسمع. لم يكن فريسيّاً ذلك الذي ساعد الرجل المطروح على جانب الطريق لأنه وقع بين قطّاع الطرق. لقد كان سامرياً . لو كان ذلك حدث في يومنا هذا لقلنا فلسطينياً. لأننا نحن أولاً بشر - مسيحيين او مسلمين او يهودا وهكذا. أو كما قال الحبر اليهودي «إن سلّمتم على إخوتكم فقط فأيّ فضل تصنعون». إننا لا نقبل بأن يتمّ خطف جنود . لكننا أيضاً لا نعترف بتهجير مجموعات بشرية بكاملها ولا أن يخطف أعضاء برلمان منتخبون ولا أعضاء حكومة. نحن نعترف بدولة إسرائيل الـ 1948 لكن ليس بدولة الـ 1967 إنها دولة إسرائيل التي هي نفسها لا تعترف ولا تحترم ولا تخضع لدولة إسرائيل القانونيّة لعام 1948 إسرائيل تريد المزيد، المزيد من الماء والعديد من القرى. ولتحقيق ذلك فالبعض يريد بمساعدة الله أن يمارس حلاً نهائياً للقضية الفلسطــــــــينيّة. (الحل النهائي للقضية اليهودية تعبير هتلري يعني إبادة اليهود في المحارق - المترجم) وقد ادّعى بعض السياسيين الإسرائيليين أنّ الفلسطينيين لديهم العديد من الدول الأخرى بينما ليس لدينا غير دولة واحدة.
أميركا أم العالم؟:
أو كما يعبّر عن ذلك حامي إسرائيل الأعلى:»بارك الله بأميركا». لقد كانت طفلة صغيرة تلك التي أثارها ذلك. فالتفتت الى أمها وقالت: الماذا ينهي الرئيس خطبه دائماً بالقول بارك الله بأميركا؟ لماذا لا يقول بارك الله بكل العالم؟ وأطلق شاعر نرويجي مرّة تنهدات طفولية :« لماذا تتقدم الإنسانية ببطء شديد الى الأمام؟» وهو نفسه الذي كتب بشكل جميل عن «اليهوديب وااليهودية». لكنه رفض مفهوم شعب الله المختار . وقال انه هو نفسه «مسلم».
العقل والرحمة:
نحن لا نعترف بدولة إسرائيل. لا اليوم. ولا في لحظة كتابة هذا النصّ’. ولا في وقت الــــــــحزن والغضب هذا. واذا ما سقطت الامة الإسرائيليّة كلها بسبب افعالها وصار جزء من السكان لاجئــــــــــين في مناطقهم المحتلة، عائدين الى الشتات مرة أخرى، فاننا سنطالب من حولهم بأن يكونوا رحــــيمين معهم ويتصرّفوا معهم بحكمة. انّ مصادرة حق اللاجئين أو الذين لا دول لهم انما هي جريمة ابدية ودائمة لا يخفّف حكمها مهما كانت الظروف. السلام والأمان للناس المدنيين الذين يخلون بيوتهم والذين لا دولة لديهم الآن كي تحميهم. لا تضربوا على اللاجئين. لا تطلقوا عليهم النار! لانهم حسّاسون كالحلزون خارج قوقعته، مثل القوافل البطيئة للاجئين اللبنانيين والفلسطينيين السائرة بلا حماية و مثل النساء والأطفال والعجائز في قانا وغزّة وصبرا وشاتيلا. كذلك سنقول: اعطوا اللاجئين الإسرائيليين حيزاً، اعطوهم الحليب والعسل! لا تجعلوا الطفل الإسرائيلي يدفع حياته ثمناً. يكفي من قتل من الأطفال والمدنيين في الحرب، فهم كثيرون.
ترجمة: وليد الكبيسي
كتب غاردنر المقالة أصلا باللغة النرويجية
ويمكن أيضا قراءة ترجمة إنجليزية لها هنا:
http://www.informationclearinghouse.inf ... e14532.htm





مستجدات




