إضافة رد 
 
تقييم الموضوع :
  • 0 أصوات - بمعدل 0
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
"مبادئ الفلسفة"
26-04-2017, 08:05
مشاركات : #1
Shocked  "مبادئ الفلسفة"
إن المكان الذي يخص به ديكارت الميتافيزيقا كثير الدلالة على منحى الفيلسوف. كانت الكتب المستعملة في المدارس والمعاهد تضع الميتافيزيقا بعد الفيزيقا، أعني: كانت تضعها آخر الدروس. فمثلا كتاب "الأخ أوستاش دوسان بول" Fr. Eustache de St. Paul المسمى "Summa philosophiae, quadripartita. De rebus Dialecticis, Moralibus, physreis & metaphyaieis.
ظاهر في ترتيبه أن الجزء الأول يشمل المنطق والثاني الأخلاق والثالث الفيزيقا والرابع الميتافيزيقا. فالميتافيزيقا تقع في النهاية في هذا الكتاب وكذلك شأن الفلاسفة الإسلاميين كابن سينا... لكن ديكارت قد خالف ذلك مخالفة ظاهرة فبدأ بالميتافيزيقا. وهذا القلب للترتيب التقليدي كان بمثابة ثورة في عهد الفيلسوف, فلم تعد الفلسفة عبارة عن الارتفاع عن الأشياء المشهودة إلى غير المشهودة، ومن العالم إلى الله، باعتبار أن الميتافيزيقا مرتبة عالية لا نجد فوقها إلا العلم الأعلى أو اللاهوت، وإنما الفلسفة تفسير للعالم بواسطة المبادئ التي تكفلها لنا الميتافيزيقا، وليس من الضروري أن تنصرف الفلسفة عن اللاهوت. ولكن تلك المعرفة العالية ليست مع ذلك هي قصد الفلسفة عن اللاهوت, إنما تنزع الفلسفة إلى علم الطبيعة ومقصدها الأكبر أن تعطي لعلم الطبيعة المبادئ التي هو بحاجة إليها.
نجد إذن في الجزء الأول من المبادئ ما كان موضوع كتاب التأملات1. وديكارت يعنون هذا الجزء قصدا "مبادئ المعرفة"، على أن ترتيب الموضوعات لم يتغير إلا في نقطة واحدة؛ فدليل وجود الله من ماهيته لم يعد هنا الدليل الثالث بل الأول، باعتباره أقرب الأدلة إلى الحدس. والدليلان الآخران لا يأتيان

إلا بعد ذلك: دليل وجود الله من فكرته في ذهننا، ودليل وجود الله من وجود ذهننا مع فكرة كهذه "المواد 14، 15، 16 الدليل الأول، والمواد 17، 18، 19 الدليل الثاني، والمواد 20، 21، الدليل الثالث".
أما التشبيه المأخوذ من فكرة آلة صناعية, وهي الفكرة التي تحتاج إلى علة تفسرها فلم يكن موجودا إلا في الردود على الاعتراضات لا في التأملات، وأدخله ديكارت في المبادئ "مادة 17"، وفي بقية ذلك اتبع ديكارت في كتاب المبادئ الترتيب الذي اتبعه في كتاب التأملات. وإن بين الكتابين تجاوبا, وعلى الخصوص بين الخاتمة؛ ففي الناحيتين تعالج مسألة الخطأ لا على العموم "فإن نظرية الخطأ في مكانها خلال المناقشة" بل الأخطاء الحقيقية التي نقع فيها أثناء البحث عن الحقيقة، مع إحصائها في البداية وفي النهاية ذكر عللها وعواقبها, وهي إفساد الفلسفة, وآية ذلك التعاليم المدرسية. ومع ذلك, فديكارت يبين هنا بأوضح مما قد بينه في التأملات نصيب الكسب وحرية الاختيار, يفسر الخطأ بضعف الإرادة التي تتراخى، والشك الذي هو كتحرر الذهن هو فعل من أفعال النشاط تمسك به الإرادة زمام نفسها "المواد: 31-44".
ويصر فيلسوفنا أكثر مما فعل على فكرة "اللامتناهي" في حين أنه في التأملات قد مال إلى اعتبار الله الموجود الكامل, ومع ذلك فبين الكتابين فرق عظيم، ولو تتبعناه إلى النهاية لأدى إلى توجيه الميتافيزيقا وجهة الأخلاق أكثر من توجيهها وجهة العلم. لكن ديكارت لا يقدر وقوع أمر كهذا, وإنما تقوده فكرة اللامتناهي إلى تفسيرين, كلاهما أدخل في باب العلم: اللامتناهي في العظم
فضاء يضاف إلى فضاء بلا وقوف عند حد, واللامتناهي في الصغر, ومادة تنقسم بلا تناهٍ "المواد 26، 27" فمن الجهتين ينفتح مجال واسع أمام الذهن لمعرفة الكون. ولكن ديكات قد استعمل الحيطة فاستعاض عن "اللامتناهي"

"ذلك اللفظ الخطر" بلفظ "اللامحدود" indefini وهو في هذا لم يفعل أكثر من اتباع ذهنه في ميله الطبيعي, لقد كان يشعر بأن ذهنه متناهٍ. فكل تأكيد سواء كانت الأشياء لامتناهية أو لم تكن، يجعل الذهن متساويا للانهائية الله، وذلك ادعاء باطل. على أن ذلك الموقف المتحوط الحذر كان يلائم أخلاق ديكارت, فهو يتجنب الفصل في ذلك الموضوع الخطر، موضوع لاتناهي العالم، ولا يرد بشأنه على رجال الدين, بل إنه يتفادى كل سؤال مقحم محرج من جانبهم، وبهذا يستبعد الصعوبات العملية التي قد تنجم عن اعتبار العلل الغائبة "مادة 20، 40, 41". إن ذهننا لا يستطيع في تبجح سخيف أن يدعي المقدرة على النفاذ إلى مقاصد الله، وهو يستبعد أيضا كل صعوبة لاهوتية تنتج من سبق التدبير الإلهي، ذلك السابق المتناهي، فيما يظهر، مع الحرية الإنسانية. ولقد نبهه جاسندي إلى ذلك الأمر، ولقد عاد ديكارت إليه في كتاب المبادئ وإن كان قد تعرض لبيان وجهة نظره فيه من قبل.
وربما جاز لنا أيضا أن نعزو إلى حيطة ديكارت منحه التعاليم المدرسية قسطا كبيرا من العناية في الجزء الأول من المبادئ. فهو يعالج مشكلة "الليات" ويعيد الكلام في "التقسيمات الحقيقية والصورية والعرضية"1 التي كان قد تعرض لها من قبل في نهاية رده على كاتيروس2. وكان ديكارت قد أراد أن يبسط فلسفة تعطي الجواب الشافي عن كل مسألة, من أجل ذلك لا نراه يرفض المسائل التي كانت لها منزلة الشرف عند المدرسيين، بل يعالجها على طريقة ما, مبينا أن فلسفته تستطيع أيضا أن تحملها, إذ إن فلسفة جديدة لا تحل محل الفلسفة التي تريد تقويضها إلا إذا استخدمت أنقاضها كمولد وأدوات لمبانيها الخاصة.
للاطلاع على الكتاب اليكم الرابط: http://raqamiya.mediu.edu.my/BookRead.aspx?ID=3061:s
عرض جميع مشاركات هذا العضو
التعبير عن الشكر والتقدير لصاحب الموضوع إقتباس هذه الرسالة في الرد
إضافة رد 


التنقل السريع :


مستخدمين يتصفحوا هذا الموضوع: 1 ضيف
إتصل بنا منتدى الحِجاج العودة للأعلى العودة للمحتوى الأرشيف