منتدى الحِجاج

نسخة كاملة : من الواجب إلى القانون الأخلاقي
أنت حالياً تتصفح نسخة خفيفة من المنتدى . مشاهدة نسخة كاملة مع جميع الأشكال الجمالية .
سبق أن رأينا كيف أن مفهوم الإرادة الخيرة أدى بنا في النهاية إلى الواجب وهذا الأخير إلى القانون الأخلاقي، هذا ما يلخصه كانط بقوله:
"الفعل الذي يتم وفقا للقانون مع إقصاء كل أسباب الميل.. يسمى واجبا. "
فما الذي يجعل كانط لا يكتفي بالإرادة الخيرة ليؤسس عليها فلسفته الأخلاقية ؟
للإجابة على هذا السؤال يجدر بنا الإشارة إلى أن الهدف الأساس لكانط منذ نقد العقل الخالص هو" الإمكان "، إمكانية الأحكام القبلية التركيبية ، إمكانية قيام ميتافيزيقا مشروعة ، في نقد العقل الخالص، ونفس الشيء في أسس ميتافيزيقا الأخلاق ، وبشكل أكثر وضوحا في نقد العقل العملي ، سيحاول كانط الإجابة على السؤال التالي: كيف تكون الأخلاق ممكنة ، وليس وجود الأخلاق، بل كيف تتحقق لدى الناس جميعا،لذلك سيبحث كانط عن الإلزام الذي يجعل الإنسان ينطلق من الواجب ولا شيء سواه؛ أي " كيف تكون الإرادة خيرة وقد جُردت من كل الدوافع التي يمكن أن تنبثق فيها نتيجة لإطاعة قانون.."
الإشكال يتضح الآن في الكيفية التي تكون فيها الأخلاق متحققة بشكل مطلق بدون دافع خارجي؛ أي في الفصل بين الفعل الذي يأتي مطابقا للواجب، والفعل الذي يصدر عن الواجب، هذا الفصل سيتأتى لكانط بالتمييز بين الأمر المطلق impératif catégorique L والأمر الشرطي.L impératif hypothétique يقول:
"إذا كان الفعل خيرا لمجرد أنه وسيلة لتحقيق شيء آخر ، فإن الأمر عندئذ يكون أمرا شرطيا ، أما إذا تصورناه بوصفه خيرا في ذاته، وبالتالي ضروريا في إرادة تكون في ذاتها مطابقة للعقل كمبدأ لتلك الإرادة فإنه يكون عندئذ أمرا مطلقا". أي أن الأمر المطلق غايته في ذاته، داخلية وليست خارجية، هذا ما يؤكده Ralph Walker بقوله:
"Kant en était parfaitement conscient. On les formulera donc de la meilleure façon ainsi: soient les circonstances X, s ensuit alors le devoir Y. La différence tient plutôt à ce qu'un impératif hypothétique déclare une action rationnelle en tant que moyen d un but ce qui n'implique pas la rationalité de ce but; tandis qu'un impératif catégorique nous dit ce qui est rationnel par soi. "
و يقصد الباحث هنا أن الأوامر الشرطية المقيدة تخضع للقاعدة القائلة بأن من أراد الغاية فقد أراد الوسائل. وهذا ما يتجسد في الربط بين الفضيلة والسعادة، فإذا أردت أن تحيى سعيدا فكن صالحا، على العكس من ذلك " هناك أمر من شأنه أن يوحي مباشرة بإتباع مسلك معين بغير أن يضع شرطا لذلك أي مقصد آخر يمكن الوصول إليه عن طريق هذا المسلك ؛إنه الأمر المطلق، إنه لا يتعلق بمادة الفعل ولا بما يمكن أن يترتب عليه بل يتعلق بالصورة والمبدأ " ومعنى هذا أن من خصائص الأمر المطلق، أنه غير مشروط، فليست هناك غاية تحدده وليس ثمة شرط يحكمه بل هو ينطلق من الإرادة الخيرة دون أن ينظر إلى النتائج والغايات.
هكذا يمكن أن نستنتج أن الواجب مرجعه العقل وغايته احترام القانون الأخلاقي ومنطلقه الإرادة الخيرة. وبناء على هذه النظرة لمفهوم الواجب يعتبر كانط أن الفعل الأخلاقي مهما بلغ من السمو لا يملك أي قيمة أخلاقية في ذاته وإنما يستمد قيمته فقط من القصد الذي يصدر عنه وليس هذا القصد سوى العمل بمقتضى الواجب الذي يقوم حسب كانط على أساس "افعل كما لو كنت تريد أن تجعل من سلوكك قانونا عاما للجميع "، فالواجب هو الفعل الذي نحققه احتراما للقانون، والخاصية الرئيسية التي تميز القانون إنما هي الكلية، هذه القاعدة اعتبرها كانط مبدأ لسائر القواعد، وتعني أن المعيار الأوحد للسلوك الخلقي هو إمكان تعميمه من غير تناقض، فإذا أمكن أن أجعل من القاعدة قانونا عاما لا يتعارض مع الواقع الخارجي أو مع الطبيعة كان فعلي مطابقة للواجب أما إذا كان على العكس، كان الفعل نفسه متعارضا مع القانون الأخلاقي. ويشرح هذه القاعدة بتقديم مثال: الشخص الذي يقترض مبلغ من المال مع عدم القدرة على سداده فهذا السلوك غير قابل للتعميم لأن كل الناس لو قاموا بنفس السلوك لن يبقى شخص يمكن أن نقترض منه .أكثر من هذا فإن كانط يعتبر :
"إذا راقبنا أنفسنا في كل مرة نخرق فيها واجبا لوجدنا أنا لا نريد في حقيقة الأمر أن تصبح مسلمتنا قانون عاما ،لأن هذا شيء يتعذر علينا أن نريده،بل الأولى أن يبقى عكس تلك المسلمة قانونا عاما يحمل طابع العموم"
فكانط يعتبر السلوك غير الأخلاقي لا يمكن تعميمه بل إن صاحب السلوك _الشخص الذي يسرق أو يخون الأمانة_ يرفض أن يصبح سلوكه قابل للتعميم.
لا يكتفي كانط "بقاعدة التعميم " بل يستخلص منها السلوك الأخلاقي لا يمكن أن يكون ذاتيا ،بل هو غاية في ذاته ،وليس بالقياس لأفراد بعينهم ،إذ يقول :
"افعل الفعل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل إنسان بوصفها دائما وفي نفس الوقت غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبدا كما لو كانت مجرد وسيلة "
فليس من حقنا أن نعامل الأشخاص باعتبارهم وسيلة لتحقيق أغراضنا.وبتطبيق هذه القاعدة على المثال السابق يتبين أن الشخص الذي يقدم وعدا كاذبا يتعامل مع الناس كوسيلة وليس كغاية، لأنه لما كانت كل ذات بشرية هي في الحقيقة غاية في ذاتها،فإنه لابد أن غايتها غايتي أيضا.لكن، كيف أستطيع أن أعامل الآخرين أنهم غاية دون أن أنزل بنفسي إلى مرتبة الوسيلة؟
يمكن ذلك حسب كانط إذا اتفقت إرادتي مع الإرادة العامة، هنا سيجمع كانط بين القاعدة الأولى والثانية على شكل تركيب، ويعتبر أن جميع الأفعال "التي تستمد من تشريعنا الخاص ينبغي أن تسهم في إقامة مملكة ممكنة للغايات كما تسهم في إقامة مملكة للطبيعة ". لكن المشكل الذي يطرح هنا، يكمن في إمكانية التوفيق بين مملكة الإرادة والطبيعة ؛ فالإنسان في القاعدة الأولى يعمل بموجب القانون، وفي الثانية ينظر إلى نفسه باعتباره غاية في ذاته ، لذلك يعتبر كانط أن القانون الأخلاقي ذاتي وكلي؛ فالذي يخضع له هو مشرعه، كما أنه واحد لجميع العقلاء.هكذا يكون الإنسان مشرعا للإرادة وخاضعا لها بكل طواعية ، إذ أنه لا يتعارض مع قاعدة الحرية ومبدأ استقلالية الإرادة .
هكذا نستخلص أن كانط انطلق من الإرادة الخيرة إلى استقلالية الإرادة، لأنه يريد أن يجعل من القانون الأخلاقي علما صارما ، يتصف بالشمولية والكلية والإطلاقية. صحيح أن كانط انطلق من المعاني الأخلاقية الشائعة والمشتركة بين الناس، لكنه أعطى للإرادة الخيرة معنى مختلف بربطها بمفاهيم كالواجب والقانون الأخلاقي واستقلالية الإرادة .